ملا محمد مهدي النراقي
237
جامع الأفكار وناقد الأنظار
على امتناع وجود العقل القديم ، فكيف يقول لم يثبت دليل على امتناعه ؟ ! ، وتخصيص الدليل بالعقلي يأبى ظاهر عبارته المنقولة ، إذ النكرة في سياق النفي يفيد العموم ؛ إذ الدليل النقلي يطلق عليه الدليل في الكتب الكلاميّة ، والمحقّق كثيرا ما يتمسّك به في التجريد ؛ فالمراد بقوله : « وأدلّة وجوده مدخولة « 1 » » أي : ادلّة وجوده على النحو الّذي اثبته الحكماء ، يعني بوصف قدمه . وبذلك يندفع المخالفة بين كلامه هذا وبين ما قال في الإلهيات : « والواسطة غير معقولة « 2 » » ؛ فانّ المراد به انّ الواسطة القديمة الّتي أثبتها الحكماء غير معقولة ، للزوم ما تقدّم من المحذورين ؛ مع مخالفتها لما ثبت / 53 MB / من الشريعة . فلو لم يحمل العقل في قوله : « أمّا العقل » على الأعمّ من القديم والحادث و « الواسطة » في قوله : « والواسطة غير معقولة « 3 » » على القديم فقط ، بل حمل كلاهما على الأعمّ أو القديم لزم المخالفة بين كلامه ، ولا دافع لها إلّا بان يقال : انه - رحمه اللّه - بعد ردّه في امتناع وجود العقول القديمة في مباحث الجواهر جزم بامتناعه في الإلهيات ؛ ولا يخفى ما فيه . وقد وضح وظهر على أيّ تقدير إن شيئا من المجرّدات والجسمانيات لا يمكن أن يكون واسطة لربط الحادث بالقديم . ثمّ غير خفيّ انّ أحدا من الحكماء لم يذهب إلى أنّ الواسطة لربط الحادث بالقديم هو العقل ، بل كلّهم متّفقون على انّ الواسطة هو الجسم القديم المتحرّك بالحركة السرمدية . ولذلك جوّزوا التسلسل في الأمور المتعاقبة ، لأنّ الحركة والزمان إذا كانا أزليين يتوقّف وجود كلّ جزء منهما على الجزء السابق ، وهكذا إلى غير النهاية . قال بعض المتأخرين لانتصار طريقة الحكماء : والحقّ انّه لا محيص في ايجاد الحادث عن القديم عن التزام التسلسل على سبيل التعاقب ، وانّ براهين ابطال التسلسل لا يبطله - كما ادّعاه الحكماء - ، وما دعا المتكلّمين إلى الحكم بامتناعه هو لزوم الحركة السرمدية المستلزمة لقدم الجسم والزمان على ما ادّعاه الفلاسفة ، ففيه :
--> ( 1 ) - راجع : كشف المراد ، ص 131 . ( 2 ) - راجع : كشف المراد ، ص 218 . ( 3 ) - راجع : كشف المراد ، ص 218 .